القيلة المائية عند الأطفال: أسبابها، أعراضها، وكيفية علاجها جراحياً

مقدمة:

تعد القيلة المائية، أو ما يعرف بالهيدروسيل، حالة طبية شائعة تحدث عند الأطفال الذكور، خاصة حديثي الولادة. وهي تحدث عندما يتجمع السائل في كيس الصفن حول إحدى الخصيتين أو كليهما. على الرغم من أن القيلة المائية قد تبدو مقلقة للآباء في البداية، إلا أن هذه الحالة في غالبية الحالات غير مؤلمة وغير ضارة وتختفي من تلقاء نفسها. ومع ذلك، في بعض الحالات، قد تتطلب القيلة المائية تدخلاً جراحيًا، خاصة إذا استمرت بعد العام الأول أو إذا كانت تسبب مشاكل صحية أخرى.

في هذه المقالة، سنتناول بالتفصيل أسباب القيلة المائية عند الأطفال، أعراضها، وكيفية علاجها جراحياً مع استعراض رأي الدكتور محمد قناوي، جراح الأطفال المتخصص.

ما هي القيلة المائية؟

القيلة المائية هي تجمع غير طبيعي للسائل في كيس الصفن، وهو الكيس الجلدي الذي يحتوي على الخصيتين. يتميز هذا التورم بأنه غير مؤلم ويظهر بشكل رئيسي عند الأطفال حديثي الولادة. في معظم الأحيان، تكون القيلة المائية ناتجة عن فشل انغلاق القناة بين البطن وكيس الصفن أثناء النمو الجنيني. هذه القناة، التي تُسمى “القناة الغمدية”، تسمح للسائل بالمرور من تجويف البطن إلى كيس الصفن. وعندما لا تُغلق هذه القناة بشكل طبيعي قبل الولادة، يتسرب السائل إلى كيس الصفن مسببًا القيلة المائية.

أنواع القيلة المائية:

تأتي القيلة المائية بنوعين رئيسيين:

  1. القيلة المائية الولادية (الخلقية): تظهر القيلة المائية الولادية عند الأطفال حديثي الولادة وهي نتيجة تطور غير كامل للقناة الغمدية أثناء الحمل. هذه القناة يجب أن تُغلق بشكل طبيعي قبل الولادة لمنع تسرب السوائل من تجويف البطن إلى كيس الصفن. لكن عندما لا يحدث هذا، يتجمع السائل في كيس الصفن مسببًا تورمًا واضحًا. في الغالب، تُشخص القيلة المائية عند الولادة أو خلال الأسابيع الأولى بعد الولادة.
  2. القيلة المائية المكتسبة: تظهر القيلة المائية المكتسبة في أي عمر نتيجة إصابة أو التهاب في كيس الصفن أو البطن. من الممكن أن يحدث ذلك بعد التهاب الخصية أو البربخ (وهو الأنبوب الذي يخزن الحيوانات المنوية) أو بعد إجراء جراحة في منطقة الفخذ أو البطن. في هذه الحالة، يتراكم السائل حول الخصية بسبب الالتهاب أو الإصابة.

أسباب القيلة المائية عند الأطفال:

كما ذكرنا، تعتبر القيلة المائية الولادية السبب الأكثر شيوعًا لتورم كيس الصفن عند حديثي الولادة. لكنها ليست الحالة الوحيدة، فقد تتسبب بعض العوامل الأخرى في حدوث القيلة المائية، مثل:

  1. الفشل في إغلاق القناة الغمدية: كما أشرنا سابقًا، عدم إغلاق هذه القناة أثناء فترة التطور الجنيني هو السبب الرئيسي للقيلة المائية الولادية.
  2. الإصابات أو الالتهابات: في بعض الحالات، قد تظهر القيلة المائية بعد إصابة في منطقة كيس الصفن أو بعد التهاب الخصية أو البربخ. مثل هذه الإصابات يمكن أن تؤدي إلى تجمع السائل حول الخصية كجزء من عملية الالتئام الطبيعية.
  3. الفتق الإربي: قد تترافق القيلة المائية مع الفتق الإربي، وهو حالة يحدث فيها انزلاق جزء من الأمعاء عبر جدار البطن إلى كيس الصفن. في هذه الحالات، قد يصعب تمييز القيلة المائية عن الفتق الإربي، وقد يتطلب الأمر تدخلًا جراحيًا لإصلاح المشكلة.

أعراض القيلة المائية:

تتميز القيلة المائية بتورم غير مؤلم في كيس الصفن، وهو العرض الرئيسي الذي يدفع الآباء لاستشارة الطبيب. ومع ذلك، هناك بعض الأعراض الأخرى التي قد ترافق القيلة المائية:

  1. تورم في كيس الصفن: يكون التورم غير مؤلم في العادة، وقد يظهر بشكل ملحوظ في أحد الجانبين أو في كلا الجانبين.
  2. شفافية التورم: يمكن للطبيب أن يستخدم مصباحًا صغيرًا لتوجيه الضوء عبر كيس الصفن. إذا كان السائل هو السبب، فإن الضوء سيمر بسهولة عبره، مما يشير إلى وجود سائل صافٍ وليس كتلة صلبة.
  3. تغير حجم التورم: في حالة القيلة المائية المتصلة، قد يتغير حجم التورم خلال اليوم. قد يكون التورم أكبر في نهاية اليوم بسبب تسرب السائل من تجويف البطن إلى كيس الصفن، ويقل حجمه أثناء الليل عندما يعود السائل إلى تجويف البطن.
  4. عدم وجود أعراض أخرى: في معظم الحالات، لا توجد أعراض أخرى مثل الألم أو الحمى. لكن في بعض الحالات، إذا كانت القيلة المائية ناتجة عن التهاب أو عدوى، فقد يشعر الطفل بألم أو قد يصاحب التورم احمرار وسخونة في المنطقة.

تشخيص القيلة المائية:

يتم تشخيص القيلة المائية عادة من خلال الفحص السريري. يقوم الطبيب بفحص كيس الصفن للتأكد من وجود السائل حول الخصية. ومن الاختبارات الشائعة التي تُستخدم لتأكيد التشخيص:

  1. اختبار الشفافية (Transillumination): يقوم الطبيب بتوجيه ضوء صغير نحو كيس الصفن. إذا كان التورم ناجمًا عن سائل صافٍ، فإن الضوء سيمر من خلاله بسهولة، مما يشير إلى وجود سائل وليس كتلة صلبة.
  2. الفحص بالموجات فوق الصوتية (Ultrasound): قد يُطلب إجراء فحص بالموجات فوق الصوتية للتأكد من أن التورم ليس ناتجًا عن حالة أخرى مثل الفتق الإربي أو الأورام. يُعتبر هذا الفحص آمنًا وغير مؤلم ويوفر صورة دقيقة لحالة الخصية والسائل المحيط بها.

متى يجب استشارة الطبيب؟

في معظم الحالات، تختفي القيلة المائية الولادية من تلقاء نفسها دون الحاجة إلى علاج خلال السنة الأولى من حياة الطفل. ولكن هناك بعض الحالات التي تتطلب استشارة الطبيب بشكل فوري:

  1. إذا لم تختف القيلة بعد السنة الأولى: في بعض الحالات، قد تستمر القيلة المائية بعد السنة الأولى، وهو ما يستدعي استشارة الطبيب لاتخاذ القرار بشأن العلاج.
  2. إذا كان التورم كبيرًا ويؤثر على راحة الطفل: إذا تسبب التورم في انزعاج الطفل أو أثر على حركته، فيجب مراجعة الطبيب لتقييم الحالة.
  3. إذا كان هناك ألم أو احمرار: في حالة حدوث التهاب أو عدوى، قد يصاحب القيلة ألم واحمرار في كيس الصفن. هذه الأعراض تتطلب تدخلًا طبيًا عاجلًا.

علاج القيلة المائية:

في معظم الحالات، لا يتطلب الأمر علاجًا خاصًا للقيلة المائية عند الأطفال، حيث تختفي الحالة من تلقاء نفسها. ولكن في بعض الحالات، قد يتطلب الأمر تدخلًا طبيًا.

العلاج غير الجراحي:

في الحالات الولادية البسيطة، ينصح الأطباء بالانتظار حتى السنة الأولى من عمر الطفل قبل التفكير في التدخل الجراحي. خلال هذه الفترة، قد تختفي القيلة المائية تدريجيًا مع نضوج الجهاز اللمفاوي للطفل وامتصاص السائل المتجمع.

العلاج الجراحي:

عندما تستمر القيلة المائية بعد السنة الأولى من حياة الطفل أو إذا كانت تسبب مشاكل صحية أو انزعاجًا، يوصى بالتدخل الجراحي.

خطوات العملية الجراحية (Hydrocelectomy):
  1. التخدير: تبدأ الجراحة بتخدير الطفل بشكل عام لضمان عدم الشعور بأي ألم.
  2. شق جراحي: يتم عمل شق صغير في كيس الصفن أو في أسفل البطن بناءً على حجم وموقع القيلة.
  3. تصريف السائل: بعد الوصول إلى الخصية، يتم تصريف السائل المتجمع حولها.
  4. إغلاق القناة: إذا كانت القيلة ناتجة عن قناة غير مغلقة بين تجويف البطن وكيس الصفن، يقوم الجراح بإغلاق هذه القناة لضمان عدم تسرب السائل مجددًا.
  5. إغلاق الشق: بعد إتمام العملية، يتم إغلاق الشق الجراحي باستخدام خيوط جراحية تذوب تلقائيًا مع مرور الوقت.

فترة النقاهة بعد الجراحة:

بعد العملية، يحتاج الطفل إلى فترة من الراحة لضمان التعافي الكامل. وفيما يلي بعض التوصيات العامة للعناية بالطفل بعد العملية:

  • الراحة المنزلية: يجب على الطفل تجنب الأنشطة الجسدية الشاقة لمدة تتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع.
  • العناية بالجرح: يجب على الآباء متابعة حالة الجرح للتأكد من عدم حدوث أي عدوى. يُنصح بغسل المنطقة بلطف بالماء والصابون وتجنب ارتداء الملابس الضيقة التي قد تحتك بالجرح.
  • زيارة الطبيب: يوصى بزيارة الطبيب بعد العملية بفترة قصيرة للتأكد من أن الشفاء يتم بشكل طبيعي.

المخاطر المحتملة للجراحة:

على الرغم من أن جراحة القيلة المائية تُعتبر آمنة، إلا أن هناك بعض المخاطر المحتملة التي قد تحدث:

  • العدوى: قد تحدث عدوى في موقع الجرح، ويمكن معالجتها باستخدام المضادات الحيوية.
  • النزيف: قد يحدث نزيف بسيط في موقع العملية، لكن في معظم الحالات يمكن التحكم فيه بسهولة.
  • عودة القيلة: في حالات نادرة، قد تتكرر القيلة المائية بعد العملية، وهذا قد يتطلب تدخلًا طبيًا آخر.

رأي الدكتور محمد قناوي:

يؤكد الدكتور محمد قناوي، جراح الأطفال، أن القيلة المائية هي حالة شائعة بين الأطفال، وأن معظم الحالات لا تستدعي القلق. وفقًا له، يمكن للأهل مراقبة حالة الطفل دون الحاجة إلى التدخل الجراحي الفوري في معظم الأحيان، حيث تختفي القيلة المائية مع مرور الوقت. في الحالات التي تستمر فيها القيلة بعد العام الأول أو إذا كانت تسبب انزعاجًا، ينصح الدكتور قناوي بالتدخل الجراحي.

الخلاصة:

القيلة المائية عند الأطفال هي حالة شائعة وعادة ما تكون غير خطيرة. تختفي معظم الحالات من تلقاء نفسها، ولكن في بعض الأحيان قد تتطلب تدخلًا جراحيًا إذا استمرت لفترة طويلة أو إذا كانت تسبب مشاكل. من الضروري متابعة حالة الطفل واستشارة الطبيب عند الحاجة لاتخاذ القرار المناسب بشأن العلاج.